رسالة إلى كل بيت عربي: حصنوا وجدان أماناتكم .. فالحرب الصامتة تستهدف قيّم أبنائنا ومبادئهم

بقلم: الكاتب والاعلامي
طراد علي بن سرحان الرويس
حرب القّيم والمبادئ هي صراع الوجود في وجدان أبنائنا، إن الناظر إلى واقعنا المعاصر بقلب بصير وعقل واع، لا يملك إلا أن يستشعر حجم التحدي الوجودي الذي يواجه بنية مجتمعاتنا العربية في صميمها.
نحن لا نعيش مجرد زمن سريع في إيقاعاته، أو متطور في تقنياته فحسب، بل نحن في خضم “حرب ناعمة” صامتة، لكنها أشد ضراوة من الحروب التقليدية، لأنها لا تستهدف الأرض أو الموارد، بل تستهدف الحصن الأخير المتبقي لهويتنا: وجدان أبنائنا وعقولهم في أخصّ مراحل تنشئتهم.
لقد تحّول الفضاء الرقمي، بكل انفتاحه غير المنضبط، إلى ساحة كبرى تتدفق عبرها منظومات قيمية غريبة، تتسلل إلى بيوتنا وتخترق خصوصية أسرنا دون استئذان، إنها محاولة ممنهجة لإعادة صياغة المفاهيم، وتفتيت المبادئ الراسخة التي قامت عليها مجتمعاتنا، من خلال استهداف فئة النشئ تحديداً، لكونهم الأكثر استعداداً للتلقي، والأكثر عرضة للتشكيل في هذه المرحلة العمرية الحرجة.
إن هذا الصراع يستهدف “المرجعية الأخلاقية” في حياة الطفل والشاب، فبدلاً من أن تكون الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي هم البوصلة التي توجه الناشئ، أصبح الانبهار بالشاشات وما تبثه من أنماط حياة “مفبركة” هو الموجه الفعلي، هذه الحرب تشن تحت شعارات الحداثة والحرية، بينما هي في جوهرها تسعى إلى نزع الانتماء، وتفكيك الروابط الأسرية، وتحويل الفرد إلى كائن مستهلك لا جذور له ولا مبدأ يمنعه من الانجراف وراء كل تيار.
إن خطر هذه الحرب يكمن في أنها لا تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على التغييب التدريجي للوعي، حيث يبدأ الأمر بتبسيط المحرمات، ثم السخرية من الثوابت، وصولاً إلى مرحلة التماهي مع قيم لا تشبهنا في شئ، نحن اليوم أمام جيل يصارع للحفاظ على هويته في عالم يحاول صهره في بوتقة واحدة، عالم يغلف التبعية بغلاف التطور، ويسوق للتمرد على الفطرة تحت مسمى الاستقلال الشخصي.
إن مسؤوليتنا اليوم، نحن حماة الثقافة وخبراء التربية، ليست مجرد التنظير أو التحذير، بل تكمن في استعادة دور “القائد والمربي” في حياة أبنائنا، يجب أن نقوم ببناء “تحصين قيمي” يعتمد على إيجاد البديل الجذاب والفاعل، فالحوار مع الأبناء اليوم لا ينبعي أن يكون بلغة المنع والزجر، بل بلغة الحجة والمنطق، وبغرس جذور عميقة من الاعتزاز بالهوية العربية والإسلامية، التي كانت وستبقى منارة للقيم الإنسانية النبيلة.
إن حماية أبنائنا ليست معركة نكسبها بقرارات فوقية، بل ببيوت دافئة تملؤها الحوارات الصادقة، وبمدارس تدرك أن مهمتها تتجاوز التعليم لتصل إلى بناء الشخصية، إننا بحاجة إلى “صحوة تربوية” تعيد للسرة مكانتها كملاذ أمن، وتعيد للمبادئ قدسيتها في عقول الصغار، لكي يظلوا متمسكين بهويتهم، متسلحين بوعيهم، قادرين على التمييز بين الغث والسمين في هذا الطوفان المعلوماتي الهادر.
إن بقاءنا، كأمة ذات رسالة، مرهون بمدى قدرتنا على حماية هذه “القيم والمبادئ” من التآكل، فلنكن سداً منيعاً، ليس بالعزلة، بل بالوعي والتحصين، وبالتأكيد على أن هوية أبنائنا هي أمانة في أعناقنا، وأن النصر في هذه الحرب لا يكون إلا بصناعة إنسان يعتز بأصله، ويواكب عصره، ويحمل قيّم الحق والخير والجمال في قلبه وعقله أينما اتجه.