الرأي

ثمة أعمال فنية لا تستعرض جمالها أمامك، بل تستدرجك إليها ببطء

سحر الزارعي
في الطابق الخامس من متحف MOCA Bangkok، داخل قاعة Richard Green التي تحتضن مجموعة من أهم الأعمال الأوروبية الكلاسيكية، وجدت نفسي أتوقف أمام هذه اللوحة أكثر مما توقفت أمام غيرها. لم يكن السبب براعة الرسم وحدها، فالمهارة التقنية سمة مشتركة بين كثير من أعمال تلك المرحلة، بل كان السبب ذلك الحضور النفسي العميق الذي يخرج من العمل بهدوء ويستقر في المتلقي.
للوهلة الأولى نرى امرأة تجلس وسط الطبيعة في لحظة سكون وتأمل. لكن عند الاقتراب من العمل تتغير القراءة تمامًا. فالفنان لا يقدم لنا شخصية نسائية بقدر ما يقدم حالة ذهنية، حالة من الانفصال المؤقت عن العالم الخارجي والانغماس في فضاء داخلي أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
ما شدني في هذا العمل هو قدرته على تحويل الصمت إلى عنصر تشكيلي. النظرة المعلقة خارج حدود المشهد، ووضعية الجسد المستقرة، والضوء الذي ينساب برفق على الثوب الأبيض، جميعها لا تخدم الوصف البصري فقط، بل تبني طبقات من المعنى حول فكرة التأمل نفسها.
كناقدة فنية، أرى أن قيمة هذه اللوحة تتجاوز موضوعها المباشر. فهي تنتمي إلى تقليد أوروبي طويل انشغل بالعالم الداخلي للإنسان، وبمحاولة إعطاء شكل مرئي للأفكار والمشاعر التي يصعب التعبير عنها بالكلمات. ولهذا لا تبدو الطبيعة هنا مجرد خلفية للمشهد، بل امتدادًا للحالة النفسية للشخصية، وكأن الفنان يذيب الحدود بين الخارج والداخل، بين المكان والفكر.
ربما لهذا السبب بقيت أمام العمل طويلًا. لم أشعر أنني أنظر إلى امرأة في حديقة، بل إلى صورة بصرية لفكرة إنسانية أزلية: تلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن مراقبة العالم، ويبدأ بمراقبة نفسه.
الفن العظيم لا يكمن في قدرته على أن يُرى، بل في قدرته على أن يترك أثرًا بعد أن نغادره. وبعض الأعمال، مثل هذه اللوحة، لا تنتهي عند إطارها الذهبي، بل تبدأ منه.⁩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى