الرأي
حمد الشرقي .. حاكم في ذاكرة الوطن ومسيرة في وجدان الفجيرة

بقلم: سعيد بن سعيد
في ذكرى تولي صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي مقاليد الحكم، لا أستعيد تاريخًا مضى، بقدر ما أستحضر مسيرة ما زالت شواهدها حاضرة؛ مسيرة حاكم جمع هدوء الطبع إلى حزم القرار، وقرب الناس إلى بُعد النظر، وظل وفيًّا لماضي الفجيرة وهو يصنع مستقبلها.
نشأ سموه في بيئة عرفت بساطة العيش وصلابة الحياة، قريبًا من الأرض والناس، في زمن كانت فيه الفجيرة تخطو خطواتها الأولى بإمكانات قليلة وطموحات كبيرة. ومن تلك البيئة تشكلت ملامح شخصية ظلت، رغم تبدل الأيام واتساع المسؤوليات، محتفظة ببساطتها وقربها من الناس.
وقد عرفت سموه عن قرب، وعملت معه سنوات من عمري؛ فكان قليل الحديث عن نفسه، كثير الانشغال بشؤون إمارته، هادئًا في مجلسه، حاضرًا في قراره، ينظر إلى يوم الفجيرة وعينه على غدها.
وكنت أراه في مكتبه بالديوان الأميري منذ الصباح، وقد يمتد به العمل حتى العصر؛ يناقش، ويسأل، ويتابع المرافق والمشروعات، المحلية منها والاتحادية. لم يكن الإنجاز عند سموه ضجيج إعلان، بل هدوء عمل ودقة متابعة.
وشهدت جانبًا من هذه المسيرة حين توليت مسؤولية السياحة في الفجيرة؛ فعملنا على وضع الإمارة على خارطة السياحة، والتعريف بما حباها الله من بحر وجبل وطبيعة وتراث في المعارض والمحافل الدولية، وجذب الاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية. وكان سموه داعمًا لهذا التوجه، بما وفرته الإمارة من تسهيلات وبنية تحتية وبيئة يسودها الأمن والاستقرار والطمأنينة.
ومع اتساع الرؤية، تعددت روافد الاقتصاد؛ فتوسع الميناء، ونمت منشآت تخزين النفط، وتعزز حضور المنطقة الحرة في استقطاب الأعمال والاستثمارات، وجاء قطار الاتحاد ليضيف بُعدًا جديدًا للنقل والربط، فترسخت للفجيرة مكانة اقتصادية واستراتيجية تتجاوز مساحتها الجغرافية.
وكانت الطرق جزءًا من هذه الرؤية؛ فجاء شارع الشيخ خليفة ليختصر المسافة والوقت، ويجعل الوصول إلى الفجيرة أكثر سهولة. كما بقي في ذاكرتي أن سموه كان، منذ أواخر الثمانينيات، يتحدث عن أهمية وصول خط للنفط إلى الفجيرة ليكون للدولة منفذًا بديلًا في أوقات الأزمات؛ رؤية سبقت زمنها، ثم جاء الزمن شاهدًا على بُعد النظر.
وما أكتبه اليوم ليس سيرة أرويها من بعيد، بل صور بقيت في الذاكرة من سنوات القرب والعمل. فإذا كانت سجلات التاريخ تحفظ الطرق والموانئ والمشروعات، فإن للذاكرة سجلًا آخر؛ تحفظ فيه الرجال بالمواقف، والحكام بما يتركونه من أثر.
وفي الذكرى، لا يكون الوفاء بكثرة ما نقول، بل بصدق ما نشهد. وشهادتي أنني عرفت في سموه حاكمًا أحب الفجيرة، فأعطاها من عمره وفكره وجهده، وظل قريبًا من شؤونها، متابعًا لمسيرتها، مستشرفًا لمستقبلها؛ حتى انتقلت من بساطة البدايات إلى رحابة الحضور، ومن طموح الأمس إلى منجزات اليوم.
وتبقى شهادتي في سموه شهادة عِشرة وعمل، لا شهادة عابر قرأ التاريخ من بعيد.



